محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
138
الآداب الشرعية والمنح المرعية
من حين ابتعثه اللّه حتى قبضه اللّه ؟ فقلت هل كان لكم في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مناخل ؟ قال : ما رأى منخل من حيث ابتعثه اللّه حتى قبضه اللّه . قلت : كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول ؟ قال : كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه . رواه أحمد والبخاري والترمذي وزاد بعد قوله النقي يعني الحواري ، ثريناه " 1 " عجناه ، وسيأتي في آداب المساجد حكم إنفاق المال في البناء والعمارة ، وكلام الشيخ تقي الدين وأما إنفاقه في الصدقة فمذكور في الفقه في صدقة التطوع ويأتي في فصول التكسب واللّه أعلم . قال الحنفية الأكل فوق الشبع حرام . قال المشايخ منهم إلا في موضعين . أحدهما : أن يأكل فوق الشبع ليتقوى به على صوم الغد . والثاني : إذا نزل به ضيف وقد تناهى أكله ولم يشبع ضيفه وهو يعلم أنه متى أمسك عن الأكل أمسك الضيف عنه حياء وخجلا فلا بأس بأكله فوق الشبع لكيلا يكون داخلا في جملة من أساء القرى مدمومة شرعا وهذا الاستثناء فيه نظر ظاهر ولهذا لم يذكره الإمام محمد بن الحسن ، وقال المشايخ من الحنفية ومن السرف أن يلقي على المائدة من الخبز أضعاف ما يحتاج إليه الآكلون ومن السرف أن يضع لنفسه ألوان الطعام ، ويكره تعليق الخبز على الخوان بل يوضع بحيث لا يتعلق ، ويكره وضع الخبز في جنب القصعة لتستوي القصعة ويكره مسح الأصابع والسكين في الخبز ، ويكره وضع المملحة على الخبز بل يوضع الملح وحده على الخبز ، ويكره أن يأكل ما انتفخ من الخبز ووجهه ويترك الباقي ، ومتى أذهب طيباته في حياته الدنيا واستمتع بها ذهبت درجاته في الآخرة انتهى كلامهم . وقد ورد عن جماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم ما ظاهره موافق لما ذكر في المسألة الأخيرة وروى مسلم عن أنس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها في الدنيا ، وأما المؤمن فإن اللّه يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته " " 2 " قال في شرح مسلم المؤمن يدخر له حسناته وثواب أعماله إلى الآخرة ويجزى بها مع ذلك أيضا في الدنيا ولا مانع من جزائه بها في الدنيا والآخرة وقد ورد الشرع به فيجب اعتقاده . وفي صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسّلام قال : " ما من غازية تغزو في سبيل اللّه فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة ثم لهم الأجر " " 3 " حمله في شرح مسلم على ظاهره وقال وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر ، قال : وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة رضي اللّه عنهم كقوله : منا من
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5413 ) والترمذي ( 2364 ) وأحمد ( 5 / 332 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( صفة القيامة / 2808 ) . ( 3 ) رواه مسلم ( الإمارة / 1906 ) .